سياستان حكوميتان في الخليج تتجاذبان الآن في اتجاهين متعاكسين، ولم يكد أحد يقول ذلك جهرًا. إحداهما تضع المواطنين في وظائف المستوى المبتدئ، والأخرى تمحو تلك الوظائف. وهذا هو التصادم، وما ينبغي أن يصير إليه هدف التوطين.
المُسلَّمة
لا يمكن توطين وظيفةٍ لم تعد قائمة.
السعودة والتوطين الإماراتي آلتان لملء المقاعد. نطاقات تصنّف المنشآت إلى بلاتيني وأخضر وأحمر بحسب حصة المواطنين في كشوف الرواتب. والتوطين الإماراتي، المُدار عبر نافس، يُلزم المنشآت الخاصة التي تضم خمسين موظفًا ماهرًا أو أكثر برفع عدد الإماراتيين لديها نقطتين سنويًّا، صعودًا إلى حصةٍ مهارية قدرها 10 في المئة بنهاية 2026. وكلا النظامين يعدّان الشيء نفسه: مواطنٌ في مقعد. تلك هي الوحدة. وذلك هو الهدف. وهو ما يخضع للتدقيق.
المقعد هو المشكلة.
الدرجة التي بُني عليها التكليف
للتوطين افتراضٌ خفيّ. يفترض أن الوظائف التي يملؤها سُلَّم. تضع مواطنًا شابًّا في مقعدٍ تحليلي مبتدئ، درجة المحلّل، فيكتسب على مرّ السنين مَلَكة الحُكم ويصير القياديّ الذي يريده الاقتصاد فعلًا. والحصة ليست في حقيقتها عن الوظيفة الأدنى. الوظيفة الأدنى هي التمهّن. وهي الطريق الوحيد المعروف إلى قياديٍّ محلّي. تملأ الدرجة الدنيا لكي تملك، بعد عقد، الدرجة العليا.
ولهذا يستهدف التكليف المستوى المبتدئ بهذه الشدّة. رؤية 2030 لا تريد طبقةً دنيا دائمة من الكتبة المواطنين يشرف عليهم شركاء وافدون. تريد حُكمًا سعوديًّا وإماراتيًّا في قمة المنشأة. المقعد المبتدئ هو الوسيلة. والقدرة القيادية المحلية هي الغاية.
لم تتعارض السياستان قطّ ما دام السُّلَّم قائمًا.
ما يزيله الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي يزيل الدرجة الدنيا. لا العليا. الدنيا.
الوظيفة التحليلية المبتدئة هي الأكثر انكشافًا في أي منشأة معرفية. صياغة المذكّرة. بناء النموذج. تلخيص الإفصاح. مطابقة البيانات. إنتاج النسخة الأولى ليتفاعل معها قياديّ. وتلك بالضبط هي المهمة التي تؤدّيها النماذج الكبيرة الآن بكسرٍ من السنت، والخليج يتبنّاها أسرع من أي مكان تقريبًا. بلغ تبنّي الأعمال السعودية للذكاء الاصطناعي 27.6 في المئة عام 2024 بحسب إحصاء الهيئة العامة للإحصاء نفسه. وعلى مستوى دول مجلس التعاون، تفيد 84 في المئة من المؤسسات باستخدامها الذكاء الاصطناعي بدرجةٍ ما، صعودًا من 62 في المئة قبل عامين. وليست هذه منطقة تنتظر الأتمتة، بل منطقة تُؤتمِت أمام الحصة.
قد حاججتُ من قبل بأن الذكاء الاصطناعي يلتهم سُلَّم المهارة: يحلّ محلّ الدرجة الإدراكية التي كانت دومًا مخرج النجاة من الأتمتة. والخليج يجعل تلك الحجة ملموسة وقاسية. فالدرجة المُلتهَمة هنا ليست مجرد مخرج نجاة، بل هي الدرجة عينها التي تُلزم سياسةٌ سياديّة المنشآت قانونًا بملئها بالمواطنين.
التصادم، بصريحٍ من القول
فَضَع الحقيقتين جنبًا إلى جنب.
يقول التكليف: ضَع المواطنين على الدرجة التحليلية المبتدئة. وتقول التقنية: الدرجة التحليلية المبتدئة تُمحى.
لا يمكن توطين درجةٍ لم تعد قائمة. ولا يمكن تنشئة قياديٍّ مواطن بتخطّي السنوات الأدنى، لأن حُكم القياديين لا يُلقَّن. بل يتراكم من ألف تكرارٍ صغير على العمل الذي يمتصّه الذكاء الاصطناعي الآن. كان التمهّن هو الآلية. أزِل العمل الأدنى فلا تخسر بضع وظائف هذا العام فحسب، بل تقطع خطّ الإمداد إلى كل قياديٍّ مواطن كانت البلاد تعوّل على امتلاكه عام 2040.
سمِّها مفارقة التوطين. تملأ السياسة المقاعد لبناء قدرة محلية. والمقاعد التي تملؤها هي التي يفرّغها الذكاء الاصطناعي. وكلما شدّدت إنفاذ عدد الرؤوس، وضعتَ مزيدًا من المواطنين في عملٍ يتحلّل تحتهم في الزمن الحقيقي، ونلتَ قدرًا أقلّ من حُكم القياديين الذي كنت تحاول صناعته فعلًا.
لا يمكن توطين درجةٍ لم تعد قائمة.
الثقل الديموغرافي
ليست هذه خطأ تقريبٍ في وجه عددٍ صغير من السكان، بل تصويبٌ مباشر نحو أكبر شريحة يملكها الخليج.
نحو 60 في المئة من الخليج دون الثلاثين. وفي السعودية تقدّر الهيئة العامة للإحصاء أن قرابة 70 في المئة من المواطنين دون الخامسة والثلاثين. ووُجد تكليف التوطين تحديدًا لأن موجة الشباب هذه تحتاج إلى وظيفة أولى، والدرجة المبتدئة هي حيث تبدأ الوظيفة الأولى في الاقتصاد المعرفي دائمًا. وعليه تحطّ المفارقة على الشريحة الديموغرافية عينها التي صُمّمت السياسة لاستيعابها. الطفرة تصل إلى الباب الأمامي لسوق العمل في اللحظة نفسها التي يسدّ فيها الذكاء الاصطناعي ذلك الباب.
حصةٌ مقيسة بالوظائف الأولى، مُصوَّبة نحو جيلٍ وظائفه الأولى هي الأكثر قابليةً للأتمتة في المنشأة. تلك هي هيئة الفخّ.
الإقرار
نعم، الذكاء الاصطناعي يحرّر المواطنين للعمل الأرفع، ويمكن إعادة تصميم الحصص حوله. تلك هي الحجة المضادة الأمينة، وتخفق عند الآلية: لا عمل أرفع من دون العمل الأدنى أولًا، لأن حُكم القياديين الذي يتطلّبه العمل الأرفع لا يُصنع إلا بسنواتٍ على الدرجة الأدنى التي لم يعد التكليف قادرًا على ملئها. لا يمكن ترقية الناس صعودًا في سُلَّمٍ أُزيلت درجاته الدنيا. المواطن المُحرَّر لا يُحرَّر إلى القيادة، بل يُحرَّر إلى فجوةٍ لا جسر عبرها.
الانقلاب
إذًا الهدف خاطئ.
هدف توطينٍ مقيس بعدد الرؤوس والمقاعد يقيس المُدخَل الذي كفّ للتوّ عن التنبّؤ بالمُخرَج. لم تعد المقاعد تتحوّل إلى قدرة قيادية، لأن المقعد لم يعد يحتوي التمهّن. تصنيف نطاقات البلاتيني يشهد بأن المنشأة ملأت مقاعدها. ولا يشهد بشيء عن اكتساب مواطنٍ واحد في تلك المنشأة الحُكم الذي وُجدت السياسة كلها لإنتاجه.
لم يكن الهدف الحقيقي قطّ هو المقعد، بل الحُكم. استعمل التكليف المقعد بديلًا عن الحُكم لأن ملء المقعد، طوال مئة عام، كان يُنتج الحُكم على نحوٍ موثوق. كسر الذكاء الاصطناعي البديل. وافترق المقعد عن الحُكم.
الشيء الجدير بالتوطين الآن ليس المقعد أسفل الذكاء الاصطناعي، بل المقعد فوقه. التنسيق والتوجيه. المواطن الذي يوجّه النماذج، ويحكم على مُخرجاتها، ويملك القرار، ويحمل الالتزام حين تعجز النماذج. تلك القدرة نادرة، وهي محلية، وهي الدرجة الوحيدة التي لم يبلغها الذكاء الاصطناعي. حصةٌ تعدّ المقاعد الممتلئة ستظلّ تمنح المنشآت البلاتيني بينما يتناقص مخزون الحُكم المحلي الفعلي بهدوء. وحصةٌ تعدّ التنسيق والتوجيه ستقيس الشيء الوحيد الذي ما زال ذا شأن.
بوسع الخليج أن يواصل عدّ المقاعد فيربح التدقيق ويخسر القدرة. أو أن يبدأ عدّ الحُكم ويُقرّ بأن الرقم القديم يشهد الآن للشيء الخطأ.
أحدهما سياسة. والآخر لوحة نتائج للعبةٍ انتهت أصلًا.