صندوقٌ لا يحرّر إلا الشيكات مؤجِّرٌ لا أكثر. وصندوقٌ يبني الشركة ويشغّلها شيءٌ آخر. عبر الخليج ذلك الخطّ، ولا يزال معظم الناس يسعّرون الشيء القديم.
النموذج القديم
كان صندوق الثروة السيادي مخصِّصًا لرأس المال. يأخذ فائضًا، نفطيًّا في الغالب، ويودعه في العالم. أسهمٌ وسنداتٌ وعقاراتٌ وحصةُ أقليةٍ في أصلٍ مرموق. وكانت المهمة أن يحتفظ ويُنوِّع ويجبي. ولم يكن الصندوق يمسّ التشغيل. كان يملك شريحةً من العائد ويترك إدارة الأعمال لغيره. ذلك كان التصميم كله. أن يحوّل موردًا زائلًا إلى مطالبةٍ دائمة بالنمو العالمي، ويبقى بعيدًا عن الطريق.
كانت الأفضلية في ذلك النموذج هي المال. فالصندوق ذو الفائض الأكبر يقدر على مواقع أكبر، وانتظار أطول، واحتمال مخاطرة أكثر. كان رأس المال هو الخندق. وكانت الميزانية العمومية هي الحجة كلها.
وذلك النموذج يُحال إلى التقاعد في الخليج، علنًا، وعلى نطاقٍ واسع.
ما الذي حلّ محلّه
كفّت صناديق الخليج عن التصرّف كمخصِّصةٍ لرأس المال وبدأت تتصرّف كمشغِّلة. لم تعد تشتري شرائح. صارت تأخذ حصصًا مسيطِرة، وتُنشئ الشركة في حالاتٍ كثيرة من العدم وتشغّلها. لم يشترِ صندوق الاستثمارات العامة (PIF) حصةً في قطاع قهوةٍ سعودي أو قطاع ترفيهٍ سعودي أو مشغّل سككٍ محلي. بل بناها. زرع شركاتٍ لترسو عليها صناعاتٌ لا حضور محلي لها، ويملك الأغلبية. ويجلس فوق شركاتٍ وطنية رائدة في الاتصالات والطاقة والمصارف، وهو المطوِّر خلف المشروعات العملاقة، لا داعمًا سلبيًّا لها.
انظر إلى أبوظبي يتكرّر النمط. تقدّم مبادلة و ADQ نفسيهما مستثمرَين ذَوَي خبرةٍ تشغيلية، يشتريان أصولًا لتشغيلها لا لإيداعها. وقد انتبه القطاع. والإشارة الأوضح ليست حجم الشيكات، بل بنية الصفقات. صارت هذه الصناديق تشترط السيطرة، ومقاعد المجلس، وحقّ التشغيل. ولم يعد موقع الأقلية السلبي هو المقصد.
هكذا صار الصندوق السيادي بانيًا. سمِّه الصندوق المشغِّل. الصندوق الحكومي الذي يقيس نفسه لا بما يملك بل بما يقدر على تشغيله.
لماذا الآن
ليس هذا محض طموح. بل استجابةٌ لتحوّلٍ في ما هو نادر.
كان رأس المال هو القيد. لم يعد كذلك. تجلس صناديق الخليج على رأس مالٍ أكثر مما يسع نشره ضمن حدود تحمّلها للمخاطر، والسوق العالمية مكتظّة بمالٍ يطارد الأصول نفسها. وحين يقدر الجميع على تحرير الشيك، لا يربح تحرير الشيك شيئًا. والعائد على كونك مخصِّصًا صرفًا لرأس المال ينكمش نحو السوق، لأن كونك مخصِّصًا صرفًا هو السوق نفسها.
ويقود الذكاء الاصطناعي إلى الخلاصة عينها من الجهة الأخرى. فهو يجعل التحليل والتنبؤ والمعلومة رخيصة. والشيء الذي اعتاد الصندوق أن يدفع مقابله، أي القدرة على معرفة ما يُشترى، صار وفيرًا. وحين لا يعود المُدخَل النادر هو المال ولا التحليل، ينتقل إلى الشيء الوحيد الذي يبقى صعبًا: القدرة على أن تبني الشركة فعلًا وتشغّلها. التنفيذ. التنسيق. الأسلاك لا المخطّط.
اجمع الأمرين فلا يبقى للنموذج القديم أرضية. رأس مالٍ رخيص مع تحليلٍ رخيص يعني أن أفضليتَي المخصِّص التاريخيتين تهبطان إلى الصفر في آنٍ واحد. ويبقى الجزء الذي لا يمنحك إياه نموذجٌ ولا فائض: أن تقيم تشغيلًا حقيقيًّا وتبقيه قائمًا. وهذا الجزء لا يرخص. بل يزداد قيمةً كلما رخص كل ما حوله.
قد حاججتُ بأن التنسيق هو رأس المال: النموذج هو الكهرباء، وطبقة التنسيق هي المصنع. والصندوق المشغِّل هو ذلك القانون مطبَّقًا على الدولة. الكهرباء هي الفائض، والكهرباء عند الجميع. والمصنع هو أن تقدر على إقامة مرفق كهرباء وشبكة سكك ومدينة جديدة وتجعلها تعمل. هاجرت القيمة من التملّك إلى التشغيل. وتبع الصندوق السيادي القيمة.
وحين يقدر الجميع على تحرير الشيك، لا يربح تحرير الشيك شيئًا.
الانقلاب
هذا يقلب لوحة النتائج القديمة. فطوال خمسين عامًا كان ترتيب الصناديق السيادية ترتيبًا للميزانيات العمومية. كانت الأصول المُدارة هي الرقم المهمّ، لأن الميزانية العمومية كانت الأفضلية. وفي ظل النموذج المشغِّل، تقيس الأصول المُدارة المُدخَل لا الأفضلية. ولم يعد صندوقان بالفائض نفسه متساويين. أحدهما يقدر على بناء شركة وطنية رائدة وتشغيلها. والآخر لا يقدر إلا على التخصيص. والفجوة بينهما هي القدرة التشغيلية، والقدرة التشغيلية لا تظهر في الميزانية العمومية.
لم تعد الأفضلية في كم تقدر أن تنشر. بل في أن يُبنى ما تنشر فيه ويبقى قائمًا.
الجزء الصعب
التشغيل صعب، والصناديق قضت وجودها كله لا تفعله. هذا هو الاعتراض الصادق، وله أنياب: رأس المال الحكومي يحمل قيود ميزانيةٍ رخوة، والمال الصبور يقدر على إبقاء مشروعٍ فاشلٍ حيًّا بعد النقطة التي كانت السوق ستقتله عندها بزمنٍ طويل، والأولويات السياسية ليست انضباطًا تشغيليًّا. وبناء الشركة عضلةٌ غير عضلة التخصيص لها، ومعظم الصناديق لم يُنمِّ تلك العضلة قطّ.
والردّ أن هذا هو الاختبار كله، وهو الآن الاختبار الوحيد. أتاح نموذج المخصِّص للصندوق أن يخفي تشغيلًا ضعيفًا خلف ميزانيةٍ قوية، لأن الميزانية كانت تقوم بالعمل. ويزيل النموذج المشغِّل المخبأ. فإن عجزت شركتك الوطنية الرائدة عن العمل، لم يُنقِذها الفائض الذي موّلها. بل جعل الفشل أبهظ فحسب. وقيد الميزانية الرخو ليس حاشيةً على استراتيجية التشغيل. بل هو تحديدًا ما على استراتيجية التشغيل أن تتغلّب عليه، والصناديق التي تتغلّب عليه هي التي تبني انضباط إنهاءٍ حقيقيًّا: تختبر، وتعزّز ما ينجح، وتشذّب ما لا ينجح، وترفض أن يصير المال الصبور جهاز إنعاشٍ لمشروعٍ كان ينبغي أن يموت. وأما التي تعجز عن ذلك فستموّل مكبّاتٍ وتسمّيها محافظ.
الخطّ الفاصل
كان الفائض يخبرك أن الصندوق يقدر على اللعب. ولم يعد يخبرك إن كان يقدر على الفوز.
يجلس كل صندوقٍ سيادي الآن على جانبٍ من خطٍّ واحد. على جانبٍ المخصِّص: غنيٌّ، صبورٌ، ويصعب تمييزه أكثر فأكثر عن مؤشّر. وعلى الجانب الآخر المشغِّل: يُحكَم عليه بأن تكون الشركة التي بناها هذا العام تعمل في العام المقبل. الميزانية العمومية تُوصلك إلى الطاولة. لكنها لا توزّع الورق.
قد اختار الخليج جانبه. والسؤال الوحيد المفتوح هو أيّ الصناديق يقدر فعلًا على التشغيل، وأيّها على وشك أن يكتشف، علنًا، أنه لا يقدر.